مفاكرة – خالد بن مرشد الصاعدي

كانت الصحافة الورقية تتحكم بكل كلمة تُنشر فيها، وقد يغير ويبدل مقص الرقيب في مقالتك حتى يُخرجها عن معناها وهدفها، فتصبح بلا قيمة حقيقية؛ وقد تنجو مقالتك من ذلك المقص الذي يعتدي على فكرتك وكلماتك، ولا تجد من يأخذ بثأرك مطلقاً.

 

كنا في تلك الفترة نتمنى بيئة تساعدنا في اخراج ما لدينا، دون وجود ذلك الرقيب ومقصه، فمنحتنا الدنيا أكثر مما كنا نتمنى، إذ منحتنا المنتديات، التي كانت تتيح لنا الكتابة، والرد والنقاش، ولم يكن يضايقنا إلا ذلك المشرف الذي يعدل ويحذف ويوقف الأعضاء، فكانت فكرة الحرية المطلقة في الكتابة والنقاش هي مبلغ آمالنا، ورأس تطلعاتنا، التي كنا ومازلنا نتطلع إليها.

 

اليوم تحققت آمالنا في الحرية المطلقة التي لم نمارسها أبداً، فرغم أن مواقع التواصل أتاحت لنا اليوم تلك الحرية التي كنا ننشدها سابقاً، إلا أنها في نفس الوقت اتاحت نفس القدر من الحرية للجهلة، والأطفال، والمنحرفين، وحتى التافهين، الذين لا يملكون سوى التفاهة بضاعة يقدمونها لمتابعيهم!

 

لكن الأخطر من كل ذلك، وهو ما جعلني أعنون مقالتي هذه بـ(احجبوا مواقع التواصل) هو انتشار كثير من الدعوات غير الأخلاقية عبر تلك المواقع، كالدعوة للإلحاد، والمثلية، ودعوة النسويات لاسقاط ولاية الرجل الشرعية! بالإضافة إلى كم هائل من الإعلانات للجنس والأدوات الجنسية التي يخجل الإنسان العاقل من النظر إليها، والتي في الغالب تستهدف المراهقين والمرهقات على وجه الخصوص.

 

لقد أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي، منصات للفساد الاجتماعي، ولم تعد كما كانت عند بداية ظهورها، كأدوات للتعبير وتبادل الثقافة والمعرفة! فما تشاهده اليوم من محتوى لا أخلاقي يُبث من خلال تلك المنصات، لابد وأن يشعرك أن كل هذا الفساد إنما هو ممنهج، وتقف خلفه دول معادية، تستهدف تدمير أعظم البنى الاجتماعية، إلا وهي الأسرة.

 

لم تعد منصات التواصل الاجتماعي المكان المناسب لممارسة تبادل الثقافة والمعرفة، فالحرية المطلقة التي كنا ننشدها سابقاً، أفسدت اليوم كل شيء، ولم تعد تلك المنصات بيئة مناسبة للفئات المثقفة التي مازالت تحلم ببيئة مثقفة حرة، ذات محتوى ثقافي يمكن أن ينهل منه كل تواقٍ للثقافة والأدب.

 

هذه المنصات التي باتت تقدم فساد الدين والأخلاق والتربية كمحتوى عصري، سوف تدمر بعد بضع سنوات قليلة أخلاق الرجال والنساء على حدٍ سواء؛ وكما تحجب بعض المواقع والتطبيقات بداعي التجارة، والسياسة، أرى الأجمل أن تحجب مواقع التواصل حماية للدين والأخلاق والأسرة، واستبدالها بمواقع وتطبيقات محلية تحافظ على ثقافة المجتمع وتماسكه، إن لم ترضخ شركات التواصل المختلفة لحجب أي محتوى غير أخلاقي، أو يتعارض مع ثقافتنا الدينية والاجتماعية.

 

 

همسة:

الدين حصن المجتمع، والأخلاق سوره، فإن هدم السور، سهل هدم الحصن بأكمله.

وكل عام وأنتم بخير..

 

 

أرسل

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Print Friendly, PDF & Email