مفاكرة – المستشار الدكتور عبدالإله جدع

 

✅خَلق اللهُ الخلق كامِلِين خَلْقاً سَويّا في أحسن تقويم مختلفين في الشعور والسلوك والتفكير والرغبات والإلتزام بالمباديء ومعايير التقوى والإيمان، فنحن نشعر ونرغب، نَكرَه ونحب، نتعلّم ونتثقف فنبدع، أونتقوقع ونعيش على هامش الحياة والمعرفة فنصبح بلاقيمة أوقِيَم ، ومن هذا وذاك تتمحور شخصيتنا ونرسم خطّ مسيرتنا في الحياة فتتحدّد مبادؤنا وقِيمنا التي نعيش ونموت عليها، ومن خلال ذلك يتباين الناس ويختلفون فالإنسان الذي يَتَمَسّك بالقيم والتقوى يُريدُ أن يَعيشَ حَياةً شَريفة لا يأكُل أموالَ الناس فيها بالباطِل ولايَسرِق ولا يَخونُ الأمانة؛ وهذا ما يجعل له قيمة بعد مَوتهِ والفوز في الحياة الباقية الأبدية ، فالانضباط في حياة الإنسان بوجه عام يجعله متميزاً مختلفاً عن الآخرين، فالعَقلُ إذا اكتمَلَ ونضج عند المرء استطاع أن يصنع له مسارا ًواضحاً يحقّق سلامة الخلافة التي أرادها الله له في الأرض وعادة ماتولد الحِكمَة والقيم عِندَه مِن خلالِ عدد من المكوّنات الجينية المتوارثة/والبيئية الاجتماعية و الثقافية وتشكّل في مُجْملها أسس تعاملهِ مَعَ الناس، فأقصى درجاتِ نضوجِ العقل هُوَ أن يدرك الشخص أنّ جميع ما يمتلكه في هذه الحياة لا يبقى ولن يدوم وأنّ الحياةَ تتغيّر وتمضي وتبقى المباديء والقِيَم التي يعيشُ عليها فهي الخالدة والتي يُدرك ثمراتها بعد الموت، ويتحسّر من ضيّعها كما قال جلّ في علاه في محكم التنزيل  { حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ، كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ }المؤمنون 99. 
 ✅وتُعرّفُ القِيَم في علم النفس بأنّها مَجمُوعَةٌ مِنَ الأحكام العَقليّة توجّه المرء نحوَ رغباتِه وسلوكه وانضباطه والتي يَكتَسِبها وَيَتَعَلّمها مِنَ البيئة والأسرة والمُجتَمَع الّذي يَعيشُ فِيه ويورّثها لأبنائه الذين يتربّون ويحاكون ماشاهدوه في أُسرهم ، يقول المدرّب البريطاني سيمون ديفي Simon Daevy: ( يكونُ مِنَ الضروري أحياناً أن نتلافى المُغالاةِ فِي التفكير بالمَخاطِر والمحاذير وإتّباعها) والإقدامِ على فِعلِ ومعيار الصواب ترسمه لنا تلك المكوّنات والعوامل التي ذكرتها و المؤثرة في بناء شخصيتنا، وسلوكنا الأصوب هو ما تحدّدهُ القِيَم دوماً. وحينَ ننجح في ذلك، نكون قد اتّخذنا أصعَبُ القرارات التي اعْتمدت على المُشاوَرَة والتّداوُل في داخل تكويننا البشري مابين العقل والعاطفة، والرغائب والقيود والقيم، وَمِن خِلالِ ما قالَهُ سيمون فإنّ القِيَم التي تَعيشُ عليها هِيَ التي تحدّد قراراتك مَهما كانَت صَعبَة مِن خلالِ المشاورة ؛ لأنّ النظرة للأمُور قَد تتغيّر لكن القيم لا تتغيّر ابداً،إلا عند الانسان غير السوي فاقد التقوى والإيمان والضمير، والتعريف اللغوي للمبادئ وجِذرها “مبدأ” هو ما يستخدم لخدمة عدد من المعاني، وفقاً لسياقها فيقال النواة مبدأ النخل، أي أصلها، ويقال الحرف مبدأ اللغة فالمبادئ هي مجموعة القواعد والقوانين التي تشرح وتوضّح أساس الأشياء والتصرّفات وكيفية حدوثها، فالقِيَم فِي حياتنا اليوميّة هي مجموع المباديء الإنسانيّة والأخلاقيّة وَهُوَ ما فَسّرتهُ الفلسفة بأنه جزءٌ مِنَ الأخلاق والغاياتٍ التي يَسعَى إليها الإنسان وتكونُ جديرةٍ بالاحترام فالقِيَم والمبادِئ؛ هِيَ التي تَبنِي الإنسان فالاسرة ثم المجتمع والأمة أو تهدِمها فمَن تخلّى عَن قِيَمهِ الشخصيّة والدينيّة التي يعيشُ عليها يكون كمن تَخلّى عن ذاته وغاية حياته التي أرادها الله له في عمارة الارض وأصبحَ بلا مَبدأ ولا هدف، والمبادئ في معناها الاصطلاحي هي مجموعة القواعد والضوابط الأخلاقية والمعتقدات التي يميّز بها الصواب من الخطأ، فالإلتزام بالصدق يُعدّ من المبادئ الشخصية التي تضبط أقوال وافعال المرء.
 ✅وثمة مقولة خاطئة تتردد بين الناس مفادها (أن الغاية تبرر الوسيلة)وهي للسياسي الإيطالي : Niccolò Machiavelli نيوكلو مكيافيلي الذي يركّز على القيام بأي شيء للوصول إلى هدف ونتيجة إيجابية إذ يبرر الفعل الخاطيء بأهمية تحقيق الهدف، وهذا مرفوض فالوسيلة ينبغي أن تكون مشروعة وإنسانية لاتمسّ كرامة الناس ولاتتعدي على حقوقهم، ومع هذا هناك شريحة تنتهج هذا التوجه لبلوغ أهدافها، مهما كانت تلك الوسائل غير أخلاقية، أو شرعية أو إنسانية، فليس من التقوى والقيم إذن أن يسعى الإنسان ليكون غنياً بالطرق غير المشروعة والنماذج ملأى في الواقع المعاش ومهما اختلفت الأسباب والمسببات يبقى الخطأ منبوذ ولن تبرّره الغاية مهما كانت، ولايحدث ذلك إلا في عالم الغاب الذي تتحقق فيه النظرية الميكافيلية فيأكل القوي الضعيف، ويصبح العنف والغاية هما سَيدّا الموقف فيه، فسدّ الجوع والعطش يبرّر وسيلة الهجوم والقتل، والإنسان مخيّر في تبنّي المسار الذي يريده لحياته فإما كان قيمة مضافة لأسرته وأهله ومجتمعه وإما كان وبالاً عليهم وعلى نفسه وأبنائه بتوريثهم الحرام مالاً وسلوكاً ومنهجاً يدفعون ثمنه يوم لاينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم،فالحياة قصيرة بمعيار الآخرة وماتزرعه اليوم ستحصده غداً وتندم على مافرّطت فيه.  
من شعري:
ياربِّ حُبـّك يـَسـْري بَيـن أوردتي
قرآنك الحق نهجٌ فـيه ألـتـزمُ

أرسل

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الشاعر المستشار/ عبدالإله جدع

الشاعر المستشار/ عبدالإله جدع

مقالات بواسطة الشاعر المستشار/ عبدالإله جدع
Print Friendly, PDF & Email