بقلم/ دلال كمال راضي – النائب العام لرئيس التحرير

 

لا شيء يزدحم في الذاكرة مثل الوطن، فكل التفاصيل الصغيرة والكبيرة تظل راسخة في الوجدان حين تكون مرتبطة بهذا المقدس الذي نشأنا وترعرعنا على ثراه وشربنا ماءه وتنفسنا هواءه.

قد نقرأ آلاف الكتب ونشاهد آلاف البرامج والمسلسلات والأفلام وغيرها ونمر بآلاف المواقف ونلف أغلب بلدان العالم، نتجول فيها ونشاهد معالمها ونعرف كل صغيرة وكبيرة عنها، ولكن كل هذا لن ينال شيئا من ذاكرتنا مقابل السعة التخزينية التي يحتلها الوطن فيها، فالذكريات المرتبطة بالوطن دائماً ما تكون عصية على الحذف أو النسيان، بل ربما نكون بعيدين أحياناً عن الوطن وتمر بنا مواقف شتي وملامح متنوعة ومتفرقة وأشياء متعددة، فنجد أنها في مجملها تذكرنا بما يشبهها وبما يوازيها وبما يدل عليها في وطننا، بل قد نجد كل ما هو عظيم وجميل ورائع في شتى بقاع الأرض فتكون أمنيتنا الأولى أن يكون لوطننا نصيب منه أو مثله، فبدلاً من أن تطغى هذه البيانات الجديدة على ذاكرة الوطن نجدها تجدد حيوتها وتسترجع ما مر منها على حين غفلة وتسترد ما كان مفقوداً أو مخفياً بفعل الزمن، وتدخل عليها تحديثات ترسم للوطن مستقبلاً مزدهراً ومشرقاً وحافلاً بالخير والنماء والإنجازات الكبيرة والعظيمة.

اللافت للانتباه أن الأمنيات والأحلام الفردية والمستقبل الذي يتطلع له كل إنسان والإنجازات والنجاحات التي يطمح لتحقيقها في حياته، لا تكون بمعزل عن الوطن كحاضنة حيوية يتفاعل الإنسان مع معطياتها ويكتسب منها قدراته ومهاراته التي تؤهله لصنع الحياة التي يريدها ولو بالحد الأدني وبحدود الإمكانيات والموارد المتاحة، فلا يوجد مستقبل مزدهر في وطن غير مزدهر ولا يوجد نجاح في بيئة غارقة بالفشل، لذلك دائما ما يرتبط أي تطلع بغدٍ مشرقٍ وجميل بمثله للوطن، فالتطلعات والطموحات الفردية والتي يريد الإنسان تحقيقها لذاته دائماً ما توازيها تطلعات وآمال يريدها الإنسان لوطنه كونها ضرورية لاكتمال الصورة الكلية للمستقبل، وحتى إن وجد أي ازدهار أو نجاح فردي فلن يكون له أي معنى ما لم يكن محفزاً لتغيير الواقع ودافعاً للكل نحو النجاح.

في حكايا الوطن نسمع أحياناً عن قصص نجاح حدثت لأناس خارج أوطانهم وبعيداً عن مجتمعاتهم، لكنها في حقيقة الأمر لم تحقق لهم النجاح الذي كان مرسوماً في أذهانهم كونه كان مرتبطاً بالوطن ونابعاً من تفاصيله ومفرداته، لذلك دائماً ما نجد هؤلاء الناجحين يربطون نجاحاتهم تلك بأوطانهم فمنها كانت الانطلاقة الأولى وفيها تعلموا الصبر والمثابرة والجد والاجتهاد، وغالباً ما يعودون إليها في نهاية المطاف وبعد عمر من الكفاح ليستمتعوا فيها بثمرة ما حققوه، ففي الوطن يكون للنجاح وللمكاسب التي تم تحقيقها نكهة أخرى هي نكهتها الحقيقية التي تلامس النفس فتشعر بالهدوء والسكينة والاستقرار.

الوطن مفردة تتعدى فكرة المهد واللحد والحياة والموت على التراب الذي نعيش عليه وعاش عليه آباءنا وأجدادنا، فالوطن ارتباط حتمي ومصيري ودائم بين الإنسان والمكان يولّد شعوراً عظيماً بالانتماء يرافقه عشق لا محدود وولاء لا ينفك ووفاء لا يتزحزح، فالارتباط الروحي بين الإنسان ووطنه ليس ارتباطاً بين كائن حي وما حوله من الجمادات، فالوطن يتجسد في الوجدان ككائن حي نشعر بحنانه ونأوي إلى دفء حضنه، وبالتالي نبادله الحب ونستمد منه الحب، ونظل نعيش في ظله وندور ضمن دائرته. 

الوطن نحن ونحن الوطن وكيفما نكون يكون فبأرواحنا المشرقة بالحياة وقلوبنا العامرة بالمحبة وعقولنا النيرة بالعلم وسواعدنا القوية بالعمل سيكون وطننا مشرقاً بالحياة وعامراً بالمحبة ونيراً بالعلم وقوياً بالعمل، فحياتنا هي انصهار سنين أعمارنا واندماجها في تفاصيل الوطن حاضرين فيه أو غائبين.

Print Friendly, PDF & Email