المصادر الأدبية

بقلم/ دلال كمال راضي – النائب العام لرئيس التحرير

 

تعد المصادر الأدبية من الأهمية بمكان فمنها نستقي الأدب العربي ونعلمه ونتعلمه كونها جمعته من منابعه الأولى ضمن قالب فني يهتم بجانب من جوانب هذا الأدب ويسلط الضوء عليه، وما من باحث أو دارس للأدب العربي إلا وله رجعة لهذه المراجع ينهل من معينها ويبني على ما جاء فيها ويستدل بها عند الحاجة للاستدلال، فهذه المراجع إن صح التعبير تعتبر إنجازا كبيرا وتطورا محوريا في تاريخ الأدب العربي كونها نقلت هذا الأدب من التداول الشفهي إلى التدوال الكتابي عن طريق تدوين ما تناقله الرواة من شعر ونثر يتضمن خطبا وحكما وحكايات وأخبار وغيرها، وجميعها حصيلة فترة زمنية تمتد من العصر الجاهلي حتى العصر العباسي الذي أزدهر فيه التأليف والتدوين والترجمة في مختلف العلوم، وتعد هذه المراجع في مجملها عملية توثيق كبرى للأدب العربي بالإضافة إلى ما حوته من روئ نقدية وتفسيرات لغوية وشروحات لما احتوته من نصوص.
 
وها نحن في عصرنا الراهن لا نجد موضوعا أدبيا أو مؤلفا إلا وله رجوع إلى تلك المصادر واستدلال بها وإن كانت مواضيع الحداثة تحاول الفكاك منها في بعض جوانب البناء اللغوي والتوهان في استدلالات لا تفقهها إلا النخب الحداثية، وبغض النظر عن هذا كله يتبادر إلى الذهن سؤال لا أدري هل طرحه ينم عن عدم اطلاع أم أنه سؤال يفرض نفسه حقيقة، وهذا السؤال هو لماذا لم تصنف مثل تلك المراجع الموسوعية للأدب العربي في عصرنا الراهن أو في العصور التي تلت العصر العباسي؟.. مع التسليم بوجود بعض المراجع الأدبية القيمة ولكنها لا ترقى إلى مستوى أمهات المصادر الأدبية مثل البيان والتبيين للجاحظ والكامل للمبرد والأغاني للأصفهاني وعيون الأخبار لابن قتيبة والعقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي وغيرها.. 
 
الأمر المسلم به أن الأدب العربي كغيره من العلوم أصيب بالانحطاط والتراجع بعد دخول المغول بغداد، ولكن لا يعقل أن يكون هذا التراجع  إلى الحد الذي يصوره لنا المؤرخون خاصة في العصرين المملوكي والعثماني، فإن كانت قد انعدمت الحاضنة السياسية للأدب ولم يعد يحضى بتشجيع الحكام والأمراء، لكن لم تنعدم الحاضنة الاجتماعية لهذا الأدب فالشعر على سبيل المثال يبقى ديوان العرب وله متذوقيه وقائليه في كل زمان ومكان وكذلك هِجَر العلم ومعاقله لم تغب عن المشهد ولم تنطفئ جذوتها وظلت أغلب علوم اللغة تدرس فيها إلى جانب العلوم الدينية، وإن كانت أربطة صغيرة متناثرة لكنها انجبت الكثير من الشعراء الكبار والعلماء النوابغ والذين لم يذيع صيتهم في طول البلاد وعرضها نتيجة للوضع السياسي القائم إبان حكم المماليك ومن ثم العثمانين والذين بسطوا نفوذهم على أغلب المناطق العربية ولم يستطيعوا الاندماج أو الانسجام مع الثقافة العربية فظلوا حكاما أجانب ومحتلين في نظر الإنسان العربي، وبالتالي كان لهذا انعكاسه السلبي على أي تقدم أو ازدهار في أي جانب من جوانب الحياة بما فيها الجانب الأدبي، ومع ذلك لا يرقى هذا الأثر السلبي إلى درجة اندثار الأدب العربي، ولكنه تأثير أبقاه ضمن جغرافيات متباعدة وغير متواصلة وبالتالي فإن تتبع هذا الأدب وجمعه وتوثيقه في مرجع موسوعي يضاف إلى أمهات المراجع يعد من الصعوبة بمكان ويحتاج إلى جهد كبير وتظافر وتنسيق بين الباحثين العرب والمهتمين في كافة الأقطار العربية لجمع شتات الأدب العربي المنبثق عن العصرين المملوكي والعثماني ومن ثم توثيقه في عمل موسوعي يحفظه من الضياع ويجعله إضافة كبيرة ونوعية إلى مصادر الأدب العربي، ولعل ذلك يكون خاصة مع توفر وسائل الاتصال والتواصل التي جعلت العالم كله كقرية صغيرة وليس العالم العربي فحسب.
 
Print Friendly, PDF & Email