لغة المصالح ولغة العواطف

بقلم/ د. فهد السحلي

 

تلعب المفاهيم والثقافة والوعي دورا هاما في حياة الامم والشعوب، فلكي تستطيع أن تفهم الاعيب وتصرفات خصمك وتنتصر عليه فعليك أن تعرف كيف يخطط ويفكر خصمك، وكيف تنتصر عليه وتتعامل معه بعقلية متفتحة وأن لا تتحول لمجرد أداة بيد غيرك، وإلا فمن الصعب أن تتفهم لماذا يتصرف غيرك بطريقة قد تراها سيئة أو عدوانية، فالحقيقة المؤسفة أن الشعوب العربية تعطي الأولوية القصوى للعواطف الشخصية، والخطابات الرنانة وتوزيع الاتهامات، وتصديق الشائعات أو ما يقال في القنوات المشبوهة، والصحف الصفراء، دون سند أو دليل، فالعواطف وبناء الأحكام المسبقة والحب والكراهية مقدمة لديهم على المصالح التي قد تنفع أو تضر هذه المجتمعات.

 

ففي بلدان الغرب يتخذون قراراتهم المتعلقة بعلاقاتهم الاستراتيجية مع الآخرين بناء على مستوى المصالح المتبادلة، كما أن درجة العداء مع بقية الدول تعتمد على علاقة هذه الدول بمصالحهم، بينما لا يهتمون كثيرا بالأمور العاطفية والانطباعات الشخصية فلا احد هناك مثلآ يهتم لأنك لم تبتسم له، أو لم تقابله بالمطار، أو لأنه تكلم عنك بكلام سيّء ،أو أنه دخل المجلس ولم تقم له، أو بسبب انه سمع خبرآ مسيئآ عنه في قناة معادية، بينما تقوم الدنيا ولا تقعد لو تسبب أحد  بالأضرار بمصالحهم المباشرة سواء على مستوى الأشخاص او المجتمعات او الدول.

 

ولهذا نجد في مواقع التواصل الاجتماعي أن معظم التغريدات الصادرة من المغردين العرب تهتم بالقضايا والتصرفات والانطباعات الشخصية بينما تقلل من قيمة المصالح المتبادلة بين الدول والشعوب والتي تقدر بمليارات الدولارات، وسأضرب مثلا بسيطا لمعنى المصالح عند الغرب فدولة كالمكسيك جاره لأمريكا وبينهم حدود مشتركة، والعلاقات والمصالح بينهم كبيرة سواء على مستوى الحكومات، أو الشعوب، ومع ذلك لا يمكن مقارنة العلاقة والمصالح بين المكسيك الجاره لأمريكا ،وبين دول الخليج العربي التي تربطها بأمريكا علاقات اقتصادية ضخمة تجعل امريكا تعطي الأولوية لهذه الدول على حساب المكسيك التي تريد امريكا إقامة سور بينهما. خوفا من تدفق اللاجئين على أراضيها وما يمثله ذلك من خطر على اقتصادها وأمنها القومي.

 

أما في الوطن العربي فحدث ولا حرج حيث يتم الاهتمام  بالقضايا الشخصية والعاطفية كالحب والكره والانطباعات وماذا قال فلان ؟وكيف وقف؟ وماذا رد عليه فلان ؟ وكيف غمز بعينه ؟ بينما راينا بالحرب العالمية الثانية أن امريكا  ألقت القنابل النووية على اليابان، ولكن حال انتهاء الحرب العالمية أصبحت اليابان من اكثر الحلفاء قربا لامريكا والمصالح بينهم لا يمكن حصرها لأن المصالح تدخلت وليس الثأر أو الخصومات الشخصية القديمة، وما ينطبق على اليابان ينطبق على المانيا التي حاربتها أمريكا وروسيا وأوروبا وبعد إنتها الحرب مباشرة تم إقامة خط مارشال لإعادة إعمار المانيا وأوروبا ، واليوم أصبحت المانيا تضم قواعد أمريكية على أراضيها وعضو فاعل في حلف شمال الأطلسي (الناتو) ومن اكثر الحلفاء قربا لأمريكا، وبالمقابل وحسب الثقافة العربية فقد ورث العرب حرب البسوس وحرب داحس والغبراء التي استمرت سنوات طويلة  من أجل ناقه او من اجل خسارة في سباق للخيل وذهب ضحيتها الآلاف.

 

ومن العجيب أن أبناء الغرب درسوا النفسية العربية وتأثرها بالعواطف الجياشة على حياة الشعوب العربية وطبقوها ضدنا، كما فعل نابليون وهتلر عندما أرادوا أن يكسبوا قلوب الشعوب العربية حتى يكسبوا دعمهم اثناء الحرب ولا يقاوموا  جيوشهم التي دخلت لتلك الدول فسربوا شائعة بانهم قد اسلموا وغيروا أسماؤهم لأسماء إسلامية ففرح البسطاء من العرب حتى دعا لهم ائمة المساجد فوق المنابر، وهذه الظاهرة ليست جديدة فقد عرفها الرحالة والمستشرقون الذين وصلوا للبلدان العربية قديما من أجل ان يضمنوا الاختلاط بالناس وعدم التعرض لهم أو القاء القبض عليهم باي تهمة فلبس البعض منهم الزي العربي وتحدث باللغة العربية كما فعل ضابط المخابرات البريطاني الملقب بلورانس العرب، بينما غير  البعض أسماؤهم لأسماء عربية وأعلنوا اسلامهم وعاشوا بيننا وهو في رايي نوع من الذكاء فعندما تعرف مفاتيح خصمك يكون من السهل الوصول اليه وتحقيق أهدافك.

 

ويتكرر الموقف اليوم فالمؤسف أن الإعلام وقنوات الشر المزروعة داخل الوطن العربي والتي تدار بعقول رضعت الخبث الإعلامي ونجحت نجاحا باهرا باستثمار العواطف وكيفية إشعال حماس وغضب الجمهور العربي، وشيطنة الدول التي دعمت القضية، ونجحوا في توجيه القطيع للهدف الذي يريدون الوصول إليه ليس حبا في القدس ولا فلسطين وإنما من أجل الابتزاز والمزايدات الرخيصة التي تدور حول القضية الفلسطينية، وقضية القدس مثال على ذلك فقد استثمرت معظم الأنظمة الدكتاتورية والإرهابية بالمنطقة هذه القضية منذ أكثر من نصف قرن وأطلقت الشعارات الزائفة لتخدم أهدافها مثلا كما فعل القذافي، ونظام حافظ اسد، وعبدالناصر، وصدام سابقا، ونظام الملالي حاليا، والذي أنشأ ما يسمى فيلق القدس وهو الجيش الذي قتل من العراقيين والسوريين واليمنيين مالم تفعله اسرائيل ذاتها ومع ذلك يهلل ويطبل تنابلة العرب لجيش ارهابي لم يخض في حياته حرب واحدة من أجل تحرير القدس، ولم يقتل إيراني واحد في سبيل القدس، اللهم الا ضحايا ارهابهم باليمن والعراق ولبنان وسوريا ومع ذلك نرى القطيع العربي يخرجون في مظاهرات ضد مؤتمر استثماري لم يناقش أصلا قضية سياسية وإنما فقط سبل الاستثمار بالمنطقة، وهذه القصة تذكرني بحكاية قديمة تلخص العقلية العربية في كيفية تعاملهم مع  مصالحهم فيحكي ان شخصا مترفآ تاه بالصحراء وبعد إن أنتهى ما لديه من ماء وطعام استلقى تحت شجرة بانتظار الموت، ولما أوشك على الموت مر به راعي غنم ووجده في حالة يرثى لها فاخرج له قطعة من الخبز  الناشف وشربه من الماء فرفض هذا الرجل ان يشرب أو يأكل رغم جوعه وعطشه بحجة أنه قد تعود على شرب المياه الصحية وتناول الكيك أي أنه فضل أن يموت ولا يأكل قطعك خبز ناشفة أو ماء عادي بالرغم أن حياته مهددة بالخطر فهذه الحكاية تلخص حال بعض العرب مع قضيتهم الاولى فَلَو اخذوا ثم طالبوا لم يصل الحال بهم بعد (٧١) عام من الاحتلال لما وصلوا إليه، فلا هم الذين حرروا أرضهم ولا هم الذين استطاعوا إقناع العدو على إنهاء الاحتلال، ولا هم الذين استفادوا من الفرص التي اتيحت لهم منذ قرار التقسيم عام (١٩٤٧م) فعاشوا على الشعارات والمزايدات والخلافات والخسارة المستمرة للأراضي وأصبح إطلاق الاتهامات وتخوين بعضهم البعض  والرفض من أجل الرفض والمنازعات بين اصحاب القضية الواحدة سببآ فيما وصلت إليه الأحوال وحالهم كحال من اوشك على الموت بالصحراء لأنه رفض قطعة الخبز والماء الذي يحمله من جاء لانقاذه وفضل أن يموت بحجة عدم وجود كيك والمياه المعدنية، ففي عالمنا العربي يكفي  لتصبح بطلا امام الشعوب العربية أن تلقي خطبة عصماء تهدد وتتوعد فيها أمريكا وإسرائيل بالويل والثبور وعظائم الامور حتى تصبح بطلا في عيون تنابلة القضية حتى لو ذهبت بعد الخطبة مباشرة وتفاوضت مع عدوك من تحت الطاولة أو سهرت معه في أحد المقاهي الليلية أو تآمرت معه وبعته أرضك وما تبقى من كرامتك.

Print Friendly, PDF & Email